محمود توفيق محمد سعد
312
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
السياق الذي تحدّرت فيه هذه الآيات للتدليل على كمال القدرة والهيمنة المطلقة للّه سبحانه وتعالى على الأكوان : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ( صّ : 3 ) إلى آخر الآيات ، وفي عطف قوله ( اذكر عبدنا داود . . . ) على " اصبر " دلالة على أنّ في قصة " داود " عليه السّلام ما يؤكد طلاقة القدرة والهيمنة ، ولذلك اصطفيت هذه القصة في هذا الموقع من السياق ، واصطفيت هذه الأحداث من قصص داود عليه السّلام هنا لما لها من عظيم التناسب والتناسق مع السياق ، وهذا من علم التناسب القرآني بمكان رفيع . السياق كما قلت للدلالة على كمال القدرة والهيمنة الإلهية المطلقة على الأكوان كلها ، والذي يتناسب مع هذا السياق إنما هو إبراز حدث التسبيح من الجبال في صورة التجديد والحدوث الاستمراري ، ذلك أن صدوره منها مرة واحدة دليل بيّن على القدرة والهيمنة ، فكيف حين يكون متجددا مستمرا ؟ ! أليس ذلك إعلاء للتدليل على كمال القدرة والهيمنة وإعجازها ؟ والذي أعطاها ذلك إنّما هو المضارع المسند إلى الجبال المعبر عنها بضمير إناث ، ويتناسب أيضا مع السياق إذ يوحى بغاية اللين والخضوع ، وهي أجمد جامد وأقسى قاس ، كما أبرز " البقاعى " تناسب البيان بالعشى والإشراق وتناسب ما عليه النظم في تسبحن دون تسبح أو مسبحة . أما حدث الحشر فإبرازه في صورة اسم المفعول هو الذي يتجاوب مع السياق أولا ، ومع طبيعة الحدث ثانيا وطبيعة الطير ثالثا ، فالقدرة على الحشر تكتمل حين يكون الحشر دفعة واحدة ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( لقمان : 28 ) ويعليه إذا ما كان المحشور من شأنه الخفة والنفور كالطير . وبديع أن كان إبراز الحدث في صورة اسم مشتق يزيده أن كان اسم مفعول الذي لا يكون فعله إلا مبنيا لما لم يسم فاعله ، ليفهم أن فاعل ذلك لن يكون إلا اللّه عزّ وجلّ ، وليفهم أن الطير كأنّها من شدة الهيمنة عليها تسعى بنفسها ، فتحشر ، ومن ثم أسند الحدث لها ، فدلّ هذا على أنّ من قدر على هذا فهو أقدر على حشر من هم أقل نفرة من الطير ، وفي هذا تدليل على البعث والحشر العظيم ، وسياق البعث في هذه السّورة سياق عريض وسبيل ملحّب .